عاطف عبدالله (أبوظبي)

تنفذ دولة الإمارات استراتيجية طموحة لتنويع الاقتصاد الوطني، وتقليص مساهمة النفط في الناتج المحلي الإجمالي خلال الخمسين عاماً المقبلة، ليتحول الاقتصاد الإماراتي بالكامل إلى اقتصاد مبني على المعرفة، وإذا كان ذلك التحول يشمل، على سبيل المثال لا الحصر، التوسع في قطاعات التجزئة والعقارات والسياحة، إلا أنه يشمل أيضاً قطاع الفضاء الذي جرى تحديده من بين القطاعات ذات الأولوية.
وفي هذا الإطار، ضخت وكالة الإمارات للفضاء استثمارات بنحو 22 مليار درهم في مختلف أنشطة القطاع منذ عام 2014، ولاستدامة النمو اعتمدت الوكالة أيضاً خطة وطنية لتعزيز الاستثمار الفضائي، وتشجيع الاستثمارات الوطنية والأجنبية على الدخول في صناعة الفضاء، كما تعمل على إطلاق مناطق اقتصادية خاصة بالفضاء في الفترة المقبلة.
وعلى الجانب الآخر، يتيح مشروع قانون الفضاء، المجال أمام شركات القطاع الخاص للمشاركة في رفد هذا القطاع، ويهدف إلى حماية المؤسسات الوطنية والشركات الإقليمية والعالمية التي تتطلع إلى الاستثمار في القطاع الفضائي الوطني ومشروعاته المستقبلية، ما يسهم في جذب الاستثمارات إلى القطاع.
وتشير التجارب الدولية إلى جدوى الاستثمار في الفضاء، كما تحتل صناعة الفضاء مكانة بارزة على خريطة الاقتصاد العالمي، وتشهد تطوراً سريعاً ونمواً ملموساً، ففي عام 2017 بلغت اقتصاديات الفضاء عالمياً 383 مليار دولار، 79% منها للقطاع الخاص ولأنشطة التجارية و21% للحكومات، وزاد حجم القطاع بنحو 46.5% خلال السنوات التسع الأخيرة.

تحفيز الاقتصاد
الدكتور أحمد الصفتي، أستاذ الاقتصاد في الجامعة الأميركية، يقول: «إن تبني ضخ الاستثمارات الخاصة في قطاع الفضاء الإماراتي من شأنه تحفيز النشاط الاقتصادي والصناعي والتعليمي داخل الدولة، والارتقاء بالمهارات الفردية والجماعية للمصنّعين، حيث إنها تشمل الفاعلين كافة، سواء كانوا من القطاع العام أو القطاع الخاص، المسؤولين عن عملية ابتكار وتطوير وإمداد المنتجات والخدمات المتعلقة بالفضاء الخارجي للمستهلك النهائي، والمشاركين فيها، بما لها من دور كبير في تحقيق التنمية المستدامة داخل الدولة».
وأضاف أن صناعة الفضاء يمكنها أن تحقق لدولة الإمارات نقلة تكنولوجية تضعها في مصاف البلدان المتقدمة، فضلاً عن تعزيز الصناعات المغذية والمكونات.
ولفت إلى أنه إذا رغب المستثمر في إطلاق الأقمار الصناعية مثل شركة سبيس إكس التي أطلقت مايو الماضي 60 قمراً صناعياً لتزويد الأرض بإنترنت فائق السرعة، فإن ذلك يؤدي إلى دعم مباشر للصناعات المغذية وقطاع التكنولوجيا، سواء في البرمجيات أو المكونات وبالتالي تعزيز ناتج القطاعات الأخرى المرتبطة بالفضاء.
وذكر أن مدينة مصدر دعمت بشكل مباشر قطاع البحث العملي عبر إنشاء معهد مصدر بالتعاون مع «إم أي تي» والذي تمكن من تزويد صناعة الطاقة النظيفة في دولة الإمارات بعشرات الأبحاث العلمية والعملية التطبيقية والحاصلة على براءات اختراع دولية.

مكاسب مالية
بدوره، قال محمد المهري، خبير الاستثمار والجدوى الاقتصادية، إن صناعة الفضاء استطاعت أن تصبح من الصناعات سريعة النمو بما تحققه من عوائد مالية، ليس فقط باعتبارها مغذية ومصدراً رئيساً لعدد كبير من الصناعات، ولكن أيضاً بفضل الاعتماد على الأقمار الصناعية في تقديم العديد من الخدمات الرئيسة، مثل إدارة النظم والسدود المائية، وإدارة المحطات الكهربائية، والتنبؤ بحالة الطقس والكوارث الطبيعية، دراسات التغير المناخي، الكشف عن المياه الجوفية في الصحراء، رسم صور وخرائط طبوغرافية، مراقبة الحدود والمناطق العسكرية، رصد ومراقبة الغلاف الجوي للدولة، بخلاف استخداماتها الإعلامية في مجال البث الفضائي للقنوات التلفزيونية، وتقديم خدمات الإنترنت والاتصالات الهاتفية وغيرها من الخدمات غير المحدودة.
واعتبر المهري، أن قطاع الأعمال رائد قطاع صناعة الفضاء بصورة رئيسة إذ يسهم في هذه الصناعة عالمياً، بما نسبته 76% تتوزع ما بين إنشاء بنية تحتية تجارية خاصة بصناعة الفضاء، وما بين تقديم خدمات ومنتجات جديدة، بإجمالي 291.5 مليار دولار خلال العام الماضي، وهو ما يؤكد ربحية هذا القطاع وتحقيقه لمكاسب مالية تغطي تكلفته، ثم يأتي بعد ذلك إنفاق الحكومات والدول بنسبة 24%.

تجربة الإمارات
ولفت إلى أن تجربة الإمارات لتنويع الاقتصاد عبر الاستثمار في أنشطة قطاع الفضاء أثمرت الكثير من المردود، وما زال في جعبة هذه التجربة الكثير لتقدمه، إضافة إلى كونها مثالاً يُحتذي لكيفية استفادة المنطقة من إمكانياتها، مضيفاً أن التركيز على بناء اقتصاد مستدام تقوده استراتيجية التنويع هو المنهج الذي يساعد دولة الإمارات في إنجاز رؤية الإمارات 2021.
وأضاف أن الإمارات تحصد من برنامجها للفضاء وامتلاك وتشغيل أقمارها الصناعية المكاسب والثمار على المدى الطويل، تتمثل في تدفق الاستثمارات وإقناع وجذب المستثمرين المحتملين بالاستثمار في هذا القطاع من خلال القدرات الفضائية المستقلة التي تمتلكها ومستويات الأمان.
وأشار إلى وجود العديد من الانعكاسات والمزايا الاقتصادية المهمة والإيجابية المتوقعة من برنامج الإمارات، تتضمن تحقيق الهدف الاستراتيجي للدولة المتمثل في تحقيق اقتصاد معرفي تنافسي قائم على البحوث والابتكارات، ومحفز جديد للنمو الاقتصادي القائم على تنويع القاعدة الاقتصادية.

المستثمر الجاد
ويرى الخبير المصرفي طارق قاقيش، أن نجاح دخول المستثمرين في قطاع الفضاء يتطلب بنية تحتية تشريعية وتقنية عالمية المستوى وهو ما تقوم به الدولة حالياً، فضلاً عن توافر مجموعة من العلماء والباحثين والمتخصصين، حتى لا يجد المستثمر نقصاً في الطلب على العمالة المؤهلة والمدربة.
وأضاف أن هذه النوعية من المشاريع تحقق العائد منها بعد مرور سنوات عدة، أي لا تؤتي ثمارها سريعاً مقارنة بنظيرتها في القطاعات الأخرى، وبالتالي فإن الأمر يتطلب وجود مستثمر جاد لا يبحث عن الربح السريع.
وأكد أن الدخول في مشاريع مشتركة بين المستثمرين من القطاع الخاص مع الشركات الحكومية المملوكة للدولة خير ضمانة لجذب المزيد من المستثمرين من داخل الإمارات وخارجها، وذلك وفق استراتيجية الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPPs).
وأوضح أن الشراكة بين القطاعين العام والخاص تستند على ترتيبات تعاقدية بين واحد أو أكثر من الجهات الحكومية، وإحدى شركات القطاع الخاص في مشروعات معينة، يتم بمقتضاها قيام الشريك الخاص بإمداد الحكومة بالأصول والخدمات، والتي تقدم تقليدياً من القطاع العام، بصورة مباشرة.
وأكد أن الشراكة تخدم دولة الإمارات وأجندتها الوطنية الرامية إلى تحقيق اقتصاد مستدام، يستند على المعرفة، والتنافسية والخبرة، والتنوع، وبالتالي تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ونتائج ومخرجات أفضل مما يستطيع أن يحققه كل فريق بمفرده.

سلسلة متصلة
ومن جهته، توقع الدكتور إيهاب خليفة خبير تقنية المعلومات، أن يكون لصناعة الفضاء تأثير على ثلاثة قطاعات مهمة ورئيسة تتمثل في جودة التعليم، مهارات القوة العاملة، وكفاءة التصنيع.
وأضاف أن صناعة الفضاء ليست مستقلة بذاتها مثل غيرها من الصناعات، كالحديد والصلب أو الأسمدة أو الكيماويات أو الشرائح الذكية، بل تعتمد على غيرها من الصناعات مثل النقل والمواصلات والاتصالات وخدمات الإنترنت والصحة والزراعة والطاقة، فهي من الصناعات العملاقة، التي تعتمد عليها وتغذيها قطاعات صناعية واقتصادية أخرى.
وأضاف أن صناعة الفضاء سلسلة متصلة تتكون من حلقات ترتبط ببعضها بعضاً، تبدأ من المدارس والجامعات التي تهتم بتطوير مهارات العلوم والرياضيات لطلابها، ثم تطوير صناعة الصواريخ والمركبات الفضائية، مروراً بالبنية التحتية والتكنولوجية المؤهلة لعملية إطلاق وتشغيل وإدارة الأقمار الصناعية، نهاية بإمداد رواد الفضاء بالمعدات والأدوات اللازمة لكي تمكنهم من إجراء تجاربهم لاستكشاف الفضاء، وتزويدهم بالغذاء والطعام الذي يمكنهم من البقاء أحياء.
ولفت إلى أن صناعة الفضاء أحد مكونات الصناعات العملاقة التي تعتمد عليها صناعات أخرى، فتطوير هذه الصناعة من شأنه أن ينعكس على الصناعات الأخرى المكملة والمرتبطة بها، والتي يمكن أن يستفيد من منتجاتها ملايين من البشر على كوكب الأرض.

ابتكارات من السماء إلى الأرض
الكثير من الابتكارات التي نستخدمها على الأرض حالياً هي في الأصل ابتكارات فضائية، فالنظارات المقاومة للخدش تم اختراعها في الفضاء، أيضاً كاميرات الهواتف النقالة هي في الأصل اختراع فضائي، لاسيما وأن رواد الفضاء بحاجة إلى تصوير الأرض من الفضاء، وكان قديماً حجم الكاميرا كبيراً فتم تقليصه إلى أن أصبحت مثل التي نستخدمها اليوم في الهواتف النقالة، بالإضافة إلى حليب البودرة، حيث إن الوزن يمثل مشكلة كبيرة في الفضاء لذلك تم اختراع الحليب البودرة، تجنباً لزيادة الوزن، فضلاً عن العديد من الأغذية المجففة مثل الحساء وغيرها.
وأيضاً اختراع البطانية الحرارية، والكمبيوتر المحمول والسماعات اللاسلكية، فضلاً عن العوازل التي تستخدم حالياً في بناء المنازل، في الأصل كانت توضع في بطانة المركبة الفضائية لتعزل الحرارة والرطوبة عن رواد الفضاء.

الأنشطة التجارية
يلعب القطاع الخاص دوراً رئيساً في العديد من الأنشطة التجارية المرتبطة بالفضاء حول العالم نذكر منها:
- إطلاق الأقمار الصناعية.
- تكنولوجيا المعلومات والإنترنت.
- التنقيب والتعدين.
- سياحة الفضاء.
- النقل الفضائي.
- الحصول على الطاقة.

تحميل تطبيق الجوال

تابعونا على

روابط سريعة

أسواق الأسهم

إعلانات شركات النقل

الإشتراك بالنشرة الإخبارية ليصلك الجديد